شوقي ضيف

265

المدارس النحوية

بمعناه ، والمحقّر هو للمكبر ، والتحقير فيه جار مجرى الصفة فكأن لم يحدث بالتحقير أمر يحمل عليه غيره كما حدث بالتكسير حكم يحمل عليه الإفراد » ويعلق ابن جنى على هذا التعليل بقوله : « هذا معقد معناه ، وما أحسنه وأعلاه » « 1 » . وواضح أن تعليلاته لم تكن تقف عند آرائه ، بل كانت تمتد إلى آراء سيبويه وغيره من النحاة السابقين . 3 ابن جنى « 2 » هو أبو الفتح عثمان بن جنّى الموصلي ، كان أبوه مولى روميّا ، وربما كان اسمه جنى تعريبا لكلمة Gennaius اليونانية ، وقد ولد له ابنه عثمان حوالي سنة 320 للهجرة ، ويبدو أنه رأى فيه مخايل ذكاء فدفعه إلى التعلم ، ولم يلبث أن منح عنايته لعلوم اللغة ، فأكبّ على دروس أحمد بن محمد الموصلي النحوي مواطنه . وأغلب الظن أنه نزل بغداد مبكرا ، ففي تصانيفه ترداد لذكر بعض تلاميذ المبرد مثل محمد بن سلمة وبعض تلاميذ ثعلب مثل ابن مقسم ، غير أنه سرعان ما عاد إلى الموصل ، وأخذ يدرس للطلاب في مسجدها ، وهو في أثناء ذلك يتعرض للأعراب الفصحاء ويأخذ عنهم مثل أبى عبد اللّه الشجري الذي يتردد ذكره في الخصائص . وحدث أن مرّ بحلقته في سنة 337 للهجرة أبو علي الفارسي إمام النحاة في عصره ، فأعجبه ذكاؤه ، وتعجب من قعوده للدرس والإملاء قبل نضجه ، فقال له : لقد أصبحت زبيبا وأنت حصرم ، وكأنما دلعت هذه الكلمة نارا في قلبه ، ليستكمل أداته ، ولم يجد خيرا من ملازمة هذا الإمام الفذ ، فلزمه أربعين سنة متنقلا معه في رحلاته ، مشغوفا بآرائه مبهورا بفطنته

--> ( 1 ) الخصائص 1 / 354 . ( 2 ) انظر في ترجمة ابن جنى نزهة الألباء ص 332 ويتيمة الدهر 1 / 89 ودمية القصر ص 297 وتاريخ بغداد 11 / 311 ومعجم الأدباء 12 / 81 وإنباه الرواة 2 / 335 ومرآة الجنان 2 / 445 وابن خلكان 1 / 313 وشذرات الذهب 3 / 140 وروضات الجنات ص 466 وبغية الوعاة ص 322 .